من مقوّمات المجتمعات المتحضّرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من مقوّمات المجتمعات المتحضّرة

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 17, 2011 5:58 am

كيف تبني المجتمعات المتحضّرة المواطنة الصالحة، حتى ليبدو المواطن فيها صاحب المصلحة الكبرى في إزدهار وطنه وحمايته وتقديم ما بوسعه حتى ولو كلّفه ذلك حياته من أجل أن يرتقي بوطنه ليكون قدوة لسائل الأوطان، كما هو قدوة لسائـر المواطنين.
تتحدّث الدراسات الخاصّة بهذا الموضوع عن عدد من المقوّمات التي تكفّلت بصناعة المواطن الصالح، منها:
1- النظام التربوي:
فالأُمم الناضهة تربّي عقول أبنائها العلمية والإبداعية بما يلبّي حاجات المجتمع لمختلف الإختصاصات الإدارية والفنّية والعلمية معتمدة في ذلك على منهج تجريبي تنشط حركتهُ في داخل المختبرات والمعاهد والورشات ومراكز البحوث والدراسات.
2- تلعب "المعايير النوعية" في البحوث العلمية والتقنية دورها الرائد في ترشيد وتنشيط حركة النموّ على الصعيدين، فتحسن الإنتاج وتوسيعه وتطويره وتسجيل سبق أو كسر لرقم قياسي، أو إدخال تعديلات أو تحسينات على ما سبق أن عُدِّل وحُسِّن، كلّ ذلك همّ وشغل شاغل لدى القائمين والمشرفين على العمل والمنفّذين لخرائطه وخططه الجديدة.
3- الموارد المالية مهمّة في نظر هذه المجتمعات، لكنّها تنظر إلى الموارد الإنسانية على أنّها أثمن رأسمال في العالم، لذا ترى عيونها مفتوحة – ككاميرا الصحفي الماهر – لإلتقاط أي شخص يتوسمون فيه مخايل النبوغ والذكاء والقدرة على الإبداع، ليوظفوا طاقته في البحث والتجريب والفعاليات الإنمائية المتنوعة.
4- وإذ لا يهملون النظر فيما وراء الطبيعة، يولون الطبيعة ذاتها نظراً أوسع، إذ من خلال يمكن أن تتسع النظرة إلى ماوراء الطبيعة أيضاً. وهم ينطلقون في دراساتهم من (الشكّ) إلى (اليقين).. ويضعون لنظرياتهم الفرضيات والإحتمالات التي يصدّقون بعضها ويفنّدون البعض الآخر في ملاحقة مستمرة لما يقومون به من برهنة على الصحّة هناك والبطلان هنا، فهم لا يقبلون فكرة دون تجريب، بل لابدّ من وضعها في السياق العمليّ والحركيّ الطبيعي ليقيسوا مدى تأثيرها ونجاحها في بيئتها الأُم، أو البيئات التي يراد تطبيقها وتطبيقها فيها، ولا يذعنون لشيء على أنّه حقيقة ما لم تتوافر الأدلة الثبوتية، والشواهد العلمية التي تتحقق من أنّه حقيقة فعلاً.
5- إنّهم لا يقدِّمون المهمّ على الأهمّ، فسلّم الأولويات عندهم يكتسي صفة القداسة أحياناً، فهم لا يفكرون فيما لا يفيد من الأفكار، ولا ينشغلون بالأقل أهمية طالما أنّ الأكثر أهمية يحقق موارد مالية وعملية أكبر، ولذا تراهم لا يسمحون لصغريات الأمور أن تتمدّد أو تطغي على كبرياتها.
6- وإذا اعترضتهم المشاكل والصعوبات في أي حقل أو مفصل من حقول ومفاصل عملهم تداعوا كفريق عمل واحد.. يصنفونها، ويحلِّلونها، وتتحوّل الحركةُ إلى خلايا نحل للبحث عن أنسب الحلول ومن أقصر الطرق.. ومن آياتِ نهضتهم أنّهم لا يتركون مشكلة عالقةً أو معلّقة.
7- الوقتُ بعد هذا عندهم كالذهب.. بل هو الذنب.. إنّهم يحسبونه بالقيراط، فلكلّ دقيقة عندهم ثمنها، والبدائل جاهزة في حال حصول عطل أو خلل، وإذا كان لابدّ من الخسائر قبأقلّها وبأدنى حدّ.. ولكلّ شيء عندهم موعده أو أجله تسليماً واستلاماً، وإذا ضاق الوقت استعانوا بـ(الوقت الإضافيّ) وزادوا أجر العامل حتى لا يُخلفوا موعداً.
هذا التصميم الميكانيكي أو الهندسي لحركة العلم والعمل والبحث والدراسة مقرون أو مشدود إلى عقارب الساعة، فنظام الوجبات الثلاثي لا يدع فسحة أو فراغاً، فحيثما تنتهي وجبة تردفها أخرى على مدار اليوم.
2- أينَ نحنُ من ذلك؟
هذه القيم العملية التي نهضت وتنهض بالأُمم الراقية هي ليست خارج نُظمنا الفكرية والمعرفية والقيمية الإسلامية، لكنّها ليست داخلة في نسيج حياتنا العملية، فالتربية على الإبداع تنطلق عندنا من رفض الألفة الآبائية، وأنّ الأجيال حلقات متطوّرة، وكم ترك الأوّل للآخر.. وتأمين شبكات الخدمات العامّة بما يؤمّن كافة الاحتياجات ينطلق من الأخذ بالواجب الكافئيّ، وإشاعة المعايير النوعية تنبعث من رؤية أنّ الإنسان خليفة الله في الأرض وهو معمّرها ومستثمرها ومستخرج كنوزها والمنتفع والمستمتع الأوّل بها.. وإنّ النظر في الطبيعة منطلقٌ من رؤية تأمّلية واستكشافية في الآفاق الكونية، وإنّ الإنطلاق من الشكّ إلى اليقين يدور عندنا في إطار الشك المنهجي (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سبأ/ 24).. وإنّ عدم قبول الأفكار دون تجريب، والحقائق دون تحقيق، ينطلق من (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/ 111).. وإنّ سُلّم الأولويات عندنا ينطلق من قاعدة "التزاحم" التي تقدِّم الأهمّ على المهم والأولى على الأوّل.
السؤال المحوري: لماذا إذاً تنامُ أفكارنا في الكتب، وتقبع في الادراج، وتتراكم على الرفوف، فيما تغسلُ أفكارهم وجوهها كلّ صباح، وتنشط دورتها الدموية منذ بواكير النهار، وتتفاعل أجهزتها بين أخذ وعطاء وتلافح واستشارة واستمزاج.. لتتحول الفكرةُ، أو لتنتقل من بيتها أو برجها في العقل إلى ممارسات في الشوارع، وانجازات في المصانع، وإبداعات في المعاهد والمختبرات والمزارع والمناجم والمقالع..
هذا هو السرّ.. الذي لم يعد سرّاً.
إنّنا – ما عدا استثناءات هنا وهناك – لم نصل بعد إلى درجة أن تكون (عقولنا) في خدمة (واقعنا) وفكرنا في رفد ممارساتنا الحياتية، وقوانيننا وأحكامنا في ترشيد وتصعيد وتائر حركتنا.. فما أكثر ما ننظر وننظِّر، وما أكثر ما يفعلون ويُفعِّلون.. لذلك يمشون على قدمين أكثر الأحيان، ونمشي عرجاناً أحياناً!
3- النازحون عن الوطن:
هل مجال المواطنة الصالحة هو داخل الوطن فقط؟
أبداً..
فالمواطن الصالح.. صالحٌ في وطنه وخارج وطنه.. أي أنّ صلاحه وحبّه لوطنه يدفعه إلى خدمته حتى وهو فيه مهجره أو مغتربه أو منقلبه من الأرض.. والذين نزحوا عن ديارهم إمّا طلباً للعلم فإن عادوا عادوا بعلمٍ ينفع بلادهم، وإمّا طلباً لرزق ضاق عليهم في الوطن فبحثوا عنه في أرض الله الواسعة، وهم بما يُنعم الله عليهم يوسِّعون على أهليهم وذويهم، وإمّا طلباً للحرِّية والأمن المفتقدين عسى أن يحتموا بديار تتيحُ لهم بعض ما ينشدون، أو لنشر دينهم، فهم وإن باعدتهم المسافات يسعر الحنين في نفوسهم إلى أوطانهم التي غادروها مرغمين، حتى إذا ارتفعت الظروف الخانقة المؤقتة شدّوا الرحال إليها منشدين مع الشاعر المُغترب:
في قلوبِ المغرّبين جراحٌ **** حملوها على الجباهِ الجعادِ(1)
لا تَلمهُمْ! فيومَ هجرِكَ كانوا **** وعذارى العُلى على ميعادِ
وزعتهم كفُّ الرياح فهلّا **** جمعتهم يدُ النسيم الهادي
غُصَصُ الأمّهاتِ ما هي إلّا **** ذِممٌ في خفارةِ الأولادِ
حانَ أن يخنقوا الشرائح ويطووا **** علمَ الفتحِ بعدَ طولِ جهادِ(2)
المواطنُ الصالحُ.. رسولُ بلاده وسفيرها ومحامي الدفاع عنها حتى ولو لم يحمل من وزارة الخارجية أوراق اعتماده، فهو مُعتمَدهُ في حمل همّه والتعريف به، وحمايته ونصرته ورفده والتواصل والتجاوب معه، حتى ليستشعر أنّ الجاذبية الأرضية هناك في الوطن وما عداها انعدامٌ للوزن والتوازن.
الإنسانُ منّا كما الشجرة له جذورهُ التي لا تُقطع، ومهما اتّجه وغرّب وشرّق، فبوصلتهُ دائماً تشيرُ إلى الوطن، فإن كان وطن خير وألفة ومحبّة وتآخي تاقت نفسهُ إليه توقَ العصافير والحمائم والسنونو أعشاشها، وهزج مع مَن قال مترنماً بحبّه لبلاده:
حيّيتُ سفحكِ عن بعدٍ فَحييني **** لا دجلَة الخير يا أمَّ البساتينِ
حيّيتُ سَفحكِ ظمآناً ألوذُ به **** لوذَ الحمائمِ بينَ الماءِ والطينِ
وإن كان وطن جور وبور، سعى في تخليضه من براثن مستعبديه بمقدار ما يحملهُ منه!
4- العضوية الفخريّة:
تمنحُ بعضُ المؤسسات والمنظمات والنقابات عضوية شرف أو عضوية فخرية لأناسٍ يُقدِّمون لهذه المؤسسات والكيانات أو ما يرتبط بها، خدمات مادية أو معنوية، وهو تقليدٌ جميل يحملُ نكهةَ الشكر والتثمين والتقدير للجهود التي يقوم بها الأعضاء الفخريون.
هذا الطقس أو التقليد المُعبِّر عن حالة الامتنان يمكن أن يُستعار للتطبيق في مجالات الخدمة الوطنية، فلو التفتت مؤسساتنا الوطنية إلى ذلك لتمنح الشبّان والنشطين والمتطوعين والرافدين لعملها عضوية كهذه لوسّعوا قاعدة الإنتماء، ولكان ذلك محفزاً وباعياً على عطاء أكبر.
المواطن الكريم.. المواطن الغيور.. المواطن الصالح ربّما يندفع ذاتياً وتلقائياً لعمل وطني ما خدمةً لوطنه ولأبناء وطنه، وقد لا ينتظر المكافأة، ولكن ألا يجدد بمن يُسدي لهم خدماته أو يكافؤه ويكرِّموه بمنحه عضوية شرف أو شهادة افتخار، ودعوته إلى مناسبات ونشاطات وفعاليات المؤسسة، وتسهيل بعض الخدمات له، وتوظيف طاقاته في الأماكن المناسبة، بل ما المانع من تقديم بعض الهدايا العينية التشجيعية التي إذا لم تخلق روحاً من المنافسة، فإنّها تنمِّي روح العطاء عند المتطوّع والمحسن المسدي خدماته بلا مقابل(3).
ولسنا نحبِّذ أن يكون ذلك في مجالات الخدمة الإنسانية البحتة، كاعانة الضعفاء ومساعدة العميان والمرض والعجزة وأصحاب العاهات، لأن هذه المعونة هي جزء من واجب أخلاقي جميلٌ بالمواطن الصالح أن يتربّى عليه.
فالنهوض من المقعد في الحافلة ليجلس مكاني شيخٌ أحنى الدهرُ ظهرَهُ، أو حملُ بضاعة عن امرأة أثقلت السنواتُ كاهلَها، أو التوقف لجمع ما تناثر من أشيائها بسبب الزحام، أو إعانة سائق لديه عطل في سيارته، أو اصطحاب غريب لأدلّه على عنوان ينشده، أو مساهمة في حملة لجمع التبرعات لشخص أو لعائلة أو عوائل منكوبة.. هذه ونظائرها تستأهل عضوية أكبر من فخريّة.. فهذه الأعمال الخيرية ترشّحك لأن تكون عضواً في المؤسسة الإيمانية الربّانية التي بُني أساسُها على قوله تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا) (الإنسان/ 9).
فإذا كنّا ننتظر المقابل والعوض من الناس في كلّ ما نقدِّمه نكونُ كمن يفكِّر او يطالب بالجائزة الصغرى مع علمه أن جائزة كبرى في إنتظاره.
البعض يقول: عصفورٌ في اليد خيرٌ من عشرة على الشجرة.. هذا (نقدي) وعطاء الله (فقدي) أي مؤجل وغيبي وبعيد الأمد.
هذا التصوّر غير صحيح.
هؤلاء لا يعرفون عطاء الله تعالى.
الله خصّص للعاملين جائزتين: الأولى دنيوية، والثانية أخروية، وهي الأعظم والأدوم والأكرم.
بشأن الجائزة في الدنيا.. يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): "طلبتُ الرئاسةَ فوجدتُها في النُصح لعباد الله".
والنصحُ هو كلّ عملٍ وقولٍ وخدمةٍ خالية من الغشّ.. فأي مبدأ عظيم هذا؟ وأيّة جائزة كبرى هي هذه؟
المواطن الصالح.. مواطنٌ ناصح لا يغشّ.. لذلك كانت من بين أهم صفات المواطنة الصالحة: (الصدق) و(الأمانة) و(الإخلاص) و(الإحسان) و(الخلق الحسن) و(حبّ الآخر واحترامه والسرور بخدمته)..
تريد أن تعرف أنّك مواطن صالح أوّلاً؟ راجع حالة (النصح) عندك.. حالة السلامة من العيوب: غشاً وخداعاً وتلاعباً واختلاساً وتقصيراً وخوضاً مع الخائضين..
5- هو.. ليسَ هو:
يقول أحد الكتاب المغاربة:
"قل لي ما عددُ المواطنين الصالحين في أيّة أُمّة أخبرك ما هي هذه الأُمّة، وما قيمتها في قيم الأُمم الراقية، ودرجة حضارتها وإزدهارها.. فالمواطنون الصالحون في كلّ أُمّة هم أعمدتُها التي تبني عليهم صرحَ نهضتها، وهيكل مجدها وعظمتها، وبقدر ما يكثر عدد المواطنين الصالحين بقدر ما تكون الأُمّة راقية ومتقدّمة وحياتها في جميع الميادين أرجةٌ مزدهرة"!
مرّة أخرى.. مَنْ هو المواطن الصالح؟
دعونا ننظر إليه نظرة مقارنة.
6- ليسَ هو:
1- (الإمّعة) الذي ينعق مع كلّ ناعق، ويصفّق مع كل مصفّق، ويهرج مع كل مهرّج، ويهرول مع كل مهرول، ويطبِّل ويزمِّر مع كل جوقة.. من دون أن يسأل: مَنْ؟ ولماذا؟ وإلى أين؟
2- المتربِّص الدوائر بالصغائر من السلبيات.. يتقصّاها ويقتنصها، ويضخّمها وينفخ فيها من رئته الفاسدة ليرسم للوطن وللمواطنين صورة بالأسود فقط.
3- اللّاأبالي الذي لا يهمّه أن يستحيل الوطنُ إلى قاع صفصفا، طالما أن داره سالمة ودكّانه سالمة، وحياته في بحبوحة، وتجارته رائجة، حتى لو كان تاجر حرب!
والذي يصفه لسان حاله:
إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ
4- المنشغل عن مسؤولياته ووظائفه الكبيرة بالسفاسف والترهات، فكأنّ الوطن لديه "مدينة ألعاب" أو "سيرك" او ساحة لكرة القدم ومقهى للدومينو.
5- الدجّال.. الأفّاك مثير الشغب، مشعل الفتن، خلّاق المشاكل، مؤجج الإشاعات.. بوق لدعاية السوء، وأذن لأخبار السوء، وفم يلهج بالأنباء والمفتريات التي تصدّع الرأس وتصدم المشاعر وتحطّم الأعصاب وتشوّه السمعة.. وإذا لم يجدها اختلقها اختلاقاً.
6- الذي يرى بيتاً يحترق فيقف ليتفرّج.. أو يتوقّف للحظات ليلتقط بعض الصور التذكارية بمحمولهِ لبيت يحترق.. أو يمرّ مرور الكرام وكأنّ الذين في الدار ليسوا بشراً مثله، أو كأنّ الذي يجري مشهد لفيلم مثير..
7- الذي يسرق من جيب وطنه ورصيد ثرواته، وممتلكات الشعب، ووقت وماء وكهرباء الملكية العامّة، وإذا سألته لِمَ؟ أجابك هذه ليست سرقة، هذا حقّي في أموال وثروات وطني، فلماذا تستكثر عليّ ذلك؟ أما ترى إلى اللصوص والسرّاق الكبار ماذا يصنعون؟!
8- الذي يرى تأريخ وطنه فيمجِّده ويفتخر به ويكتب به شعراً غاية في الروعة والإبداع.. يعيش في أبراج الماضي وأدراجه، وينام على وسائده، ولا يرى بلده كيف هو اليوم؟ وكيف ينبغي أن يكون؟ كم هو البونُ بين أمسهِ وحاضره؟ وينسى أنّ الأمسويّين والماضويين كالجثث المحنّطة ناجية ببدنها في الظاهر، خاليةٌ من الروح والنبض في الداخل.
9- المنتقد في السرّ، المادح في الوجه والعلن.. يهمسُ في الزوايا المعتمة والغرف المغلقة، بعيداً عمّن يعنيهم الأمر والنقد، وإذا جدّ الجدّ وبدت الحاجةُ ماسّةً إلى تشريح الواقع والكشف عن عوراته، تخلى وتخاذل وانزوى، وغضّ الطرف كأنّه فتاة صبيّة لا تنظر إلّا إلى الأرض، ناسياً أنّه جزء من المتسببين في فساد الواقع.
10- الأنانيّ الذي يقيس الوطن على مقاسه، كم يدرّ عليه؟ وكم يحقِّق له من مصالح؟ فهو وطني ومن الطراز الأوّل ما درّت معائشهُ، وإذا تطلب الأمر بذلاً أو تضحية تراه أوّل المتراجعين.. والمنسوبين، والناقمين، والمتخلّفين.
11- الذي يستأسد ويتنسر ويستكلب على الضعفاء والبسطاء وكأنّهم أسارى أُطلقت يده في العيش والعبث بهم، والذي يستنعج ويستحملُ (من الحمل) إذا كان مع شياطينه وأسياده والمتنغّمين عليه.
12- المنغلق في دائرته: طبيباً في عيادته، ومهندساً في موقعه، وعاملاً في مصنعه، وفلّاحاً في أرضه، وطالباً في معهده.. المتوقع الذي يرفض الخروج من قوقعته التي عالمه الخاص وعالمه الكلّي أيضاً.
13- المدائنيّ أو المناطقي أو الإقطاعي الذي يُقاتل من أجل قريته أو بلدته الصغيرة أو مدينته وكأنّها الوطنُ بجباله وسهوله ومياهه وصحاريه اختُزِل فيها، فهي الوطنُ وما عداها من مدن وبلدات ومناطق، دول أخرى لا يعنيه شأنها.
14- العاطفي المغرّر الذي يتغنّى بوطنه ويتعصّب له، ويعتبر كلٌّ فيه مزايا ومحاسن ومآثر، فهو جميلٌ ورائعٌ بكلّ علّاته؛ كما قال الشاعر اليمني الراحل (البردوني):
ماذا أحدِّثُ عن صنعاءَ يا أبتي **** مليحةٌ عاشقاها السلُّ والجربُ!
15- الشاذّ الذي يكون مع الأعداء ضد وطنه.. يساوم عليه، يرتهنه، ويبيعه – إذا استطاع – بثمن بخس!
هو:
1- الذي يرى حبّ الوطن في حب مواطنيه، وخدمته في خدمتهم، ورفعته في رفعته ورقيّهم وأمانهم وسعادتهم ورفاههم، ولا يرى خيراً عمَّ بلداً أو وطناً فازدهر بسببه إلّا وتمنّاه لوطنه وسعى لتحقيقه فيه.
2- هو الذي يقدِّم المسؤولية والواجب على الحق والنفع والمصلحة، ولا نتحدّث بلغة مثالية فنقول هو الذي لا يطالب بحقّه، إلّا أنّ المواطن الصالح هو الذي يمتلك روحية العطاء.. أي أنّ العطاء عند سجيّة، سواء أُثيبَ وأجر أو لم يحصل على شيء من ذلك.. حسبهُ أنّه كافأ نفسه بالمروءة، وبأنّه كان متصالحاً مع ذاته ومبادئه وقيمه.. يكفيه أن يقال: "كثّر اللهُ خيرَك" و"كثّر اللهُ أمثالك" ليكون ذلك وساماً يفتخر به، ولا يضيعُ معروفٌ أينما صُنعا.
3- هو الذي يعتبر نفسه مسؤولاً حتى ولو لم يكن في موقع الصدارة والمسؤولية، ويبقى في موقع الخدمة والتكليف، حتى إذا انتزع منه موقعُ الزعامة والتشريف.
4- هو الذي لا يستنكف عن الأعمال الصغيرة النافعة في حياة الناس، ولا يصرّ على الخدمة المميّزة والممتازة، أو التي لا تكلّف عناءً.
5- هو الذي يحملُ همّ الوطن حتى إذا كان خارجه أو بعيداً عنه، ويعيش همَّ أهله ورعاياه ومواطنيه ورفدهم ورقيَّهم، وهمّه سيادته واستقلاله وأمنه وأمانه.
يقول "أحمد شوقي":
ويا وطني لقيتك بعد يأسٍ **** كأنِّي قد لقيتُ بك الشبابا
وكلُّ مسافر سيعودُ يوماً **** إذا رُزقَ السلامة والإيابا
6- "المواطن الصالح".. هو المواطن المُصلح أيضاً..
7- هو الذي لا يعرقلُ السيرَ إذا سيارتهُ عاطلة.. يركنها إلى جانب الطريق، ويفسح للسير العام المتدفق أن يواصل مجراه، فإذا عادت لسيارته العافية واصل سيره.. وإلّا أحالها على التقاعد لئلّا تكون حجر عثرة في طريق المارّة.
8- هو الذي يشعر بمسؤوليته في أدقّ الأشياء وأصغرها من غير أن يتلقّى مرسوماً رسمياً أو حكومياً أو إدارياً بتعيينه أو تكليفه بذلك.. هو مسؤول حيثما واجه السمؤولية.. هو الذي يقول: ليس شغلي هذا مشغل الحكومة، بل يقول: هذا شغلنا معاً.
9- يحترم القانون حتى ولو خالفه الكثير من المتجاوزين المعتدين عليه، وحتى ولو تصيّدوا بذلك بعض المكاسب أو المنافع الآنيّة.. مخالفاتهم لا تبرِّر له مخالفة واحدة.
10- هو الذي إذا كان في بحبوحة وسعة من العيش سعى إلى أن يعيش الآخرون في عيشه، وأن يطالهم الخير كما طاله، ويعمّهم ويشملهم النعيم كما شمله.. هو الذي يرى خيره في خير أهله ومجموعته وشعبه ومواطنيه.
11- هو الذي يلعن الظلام، لكنّه يُشعل شمعة لكسر طوقه مخافة استفحاله أو أن يضرب في الأرض جرآنه ويخيِّم على سماء الناس فلا يرون إلّا العتمة.. لا يزهد بقليل المعروف ولا يحقر شيئاً منه.. فالإيجابيةُ طبعهُ وثوبهُ وثقافته.
12- هو الفتى الوطني الغيور الذي آتيك منه بنبأ:
إستولى الرومانُ على مدينة يونانية، بعد قتال شديد، فانتشر الجنود فيها يسلبون ويخرِّبون، ويجمعوا أهلها ليأخذوهم عبيداً، ويقتسموهم كما يقتسموا الغنائم.
أراد القائدُ الروماني أن يجري امتحاناً بين الأطفال الأسرى ليختار الأذكياء منهم ويقدِّمهم إلى الضبّاط، فأمر كل طفل أن يكتب على صفحة جمة يختارها، فكتب أحد الأطفال "ما أسعدَ أولئك الذين ماتوا في ساحة الحرب لأنّهم لم يروا الوطن المغلوب"!!
أعجب القائد بجرأة الفتى الكاتب فاستدعاه.. تأمّله طويلاً ربّت على كتفه.. ومدَّ يده وصافحه، كما لو كان يصافحُ قائداً منصوراً مثله.. قال له: "مَنْ أحبَّ وطنه كما أحببت، وأخلص له كما أخلصت، جدير أن يعيش حرّاً، فاذهب فأنت حرّ".
يقول "أحمد شوقي":
إذا عظّم البلادَ بنوها **** أنزلتهم منازل الإجلال!
يقول المناضل الوطني الإيطالي "ماتزيني" داعية الوحدة الإيطالية:
"وطننا هو مصنعنا المشترك.. منهُ يصدرُ محصولُ عملنا لخير العالم كلّه، وفيه تجتمع أدوات العالم التي نجيد إستعمالها.. إنّنا نعمل من أجل الإنسانية حين نعمل لوطننا على المبدأ القويم، ولا يكون لنا وجود جماعي مُعتَرف به إلّا بواسطة وطننا.
لا تقول "أنا" ولكن قولوا "نحنُ" ليجتهد كلٌّ منكم أن يجسِّد وطنه في نفسه.. ليُعتبر كلٌّ منكم "ضمانة" للوطن.. "مسؤولاً" عن إخوانه المواطنين، وليتعلّم كيف يحكم أعماله حتى تغدو بلاده محبوبةً ومحترمةً بواسطته.
وطنكم هو دليلُ الرسالة التي خصّكم بها الله لتقودوها نحو الإنسانية، ومواهب جميع أبناء الوطن وقواهم يجب أن تشترك في أداء تلك الرسالة"!!
يقول "شوقي":
وللأوطانِ في دمِ كلّ حرٍّ **** يدٌ سلفت ودَينٌ مُستحقُّ
وأخيراً..
المواطن الصالح الذي نشيدهُ الوطنيّ، أينما كان وطنهُ، وحيثما وكيفما كان:
لقد جئنا إلى الدنيا **** معاً لنعيش إخوانا
ونسعدَ بالحياةِ معاً **** أحبّاءً وأعوانا
ولو شئنا أحلنا *** جنّة الفردوسِ دُنيانا
فهيّا يا أخي الإنسان
* * *
أحبُّك دونما نظرٍ **** إلى لونِكَ أو جنسِكْ
وأكرهُ مَن يبثُ الحقدَ **** في نفسي وفي نفسِكْ
لترقُصَ أنتَ في بؤسي **** وكي أرقُصَ في بؤسِكْ
ونشقى يا أخي الإنسان
* * *
فبيتُكَ يا أخي بيتي **** ودربُك في الدُّنيا دربي
وعزّك لهوَ من عزّي **** وحبّك يا أخي حُبّي
وما تلقاهُ من ضيم **** تصيبُ سهامُه قلبي
فيُدمى يا أخي الإنسان
* * *
تُثيرُ الحربَ قُلْ لي هل **** ستنجو أنتَ في الحربِ؟
ألا يُشقيكَ أن أفنى **** بنارِكَ دونَ ما ذنبِ؟
وهل يرتاحُ إذ تفنى **** ضميري الحرُّ أو قلبي؟!
رويداً يا أخي الإنسان(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- الهوامش:
(1) الجعاد: المجعّدة، لتطاول سنين الغربة والفراق.
(2) الأبيات للشاعر اللبناني المهجري (شفيق المعلوف).
(3) نظام العلاوات والترقيات والمكافآت (Bonus) المعمول به في بعض معاملنا ودوائرنا كأعطيات إضافية على الراتب الرتيب، أي اعطاء فوق ما هو متوقع، مشجع – كما تبين الاستطلاعات – على عطاء أكبر ومضاعف.
(4) من قصيدة للشاعر الأردني (عسيس الناعوري).
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 54
نقاط : 24959
تاريخ التسجيل : 09/02/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://e-revolutionpcs.forumarabia.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى